الغزالي
9
إحياء علوم الدين
بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره ، فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه ، وذلك جهل وقصور . بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة ، والتصديق بها واجب . وربّ عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ، وربّ عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة ، نعوذ باللَّه من عذاب الله قليله وكثيره هذا هو الحق فصدّق به تقليدا ، فيعز على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا . والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ، ولا تشتغل بمعرفته ، بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان ، فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك ، كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه ، فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين ، أو بسيف ، أو بموسى ، وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه ، وهذا غاية الجهل . فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو بعد الموت من عذاب عظيم ، أو نعيم مقيم ، فينبغي أن يكون الاستعداد له . فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان بيان سؤال منكر ونكير وصورتهما وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر قال [ 1 ] أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم « إذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان له ما كنت تقول في النّبيّ ؟ فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمّدا رسول الله فيقولان إن كنّا لنعلم أنّك تقول ذلك ثمّ يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينوّر له في قبره ثمّ يقال له نم فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقال له نم فينام كنومة العروس الَّذي لا يوقظه إلَّا أحبّ أهله إليه حتّى يبعثه الله من مضجعه ذلك . وإن كان منافقا قال لا أدرى كنت أسمع النّاس يقولون